النويري
112
نهاية الأرب في فنون الأدب
من جلد الماعز . ويبعث إليه بعض أصحابه في الشتاء بفروة قرظ « 1 » ؛ يلبسها ، ثم يؤثر بها إذا اشتد البرد . وكان إذا لبس ثوبا قال : هذا لفلان وهذا لفلانة ، يوعد به ويعطيه إذا أتاه غيره . وكان من خبر وفاته أنه دخل الحمام في يوم الجمعة واغتسل ، ولبس ثوبيه ، وكان قد سمّاهما لا مرأتين ، وصلى الجمعة بجامع بعلبك وهو صحيح . وجاءه داود المؤذّن وكان يغسل الموتى ، فقال له : ويحك يا داود ، انظر كيف تكون غدا ! فلم يفهم . ثم صعد الشيخ المغارة ، وكان قد أمر الفقراء أن يقطعوا الصخرة التي عند الَّلورة ، التي كان ينام تحتها ويجلس عندها ، وعندها قبره . فنجّزت في نهار الجمعة ، وبقى منها مقدار نصف ذراع . فقال لهم : لا تطلع الشمس إلا وقد فرغتم منها . وبات في ليلة السبت ، وهو يذكر أصحابه ومعارفه ، ويدعو لهم حتى طلع الفجر . فصلى بهم الصبح ، وخرج إلى صخرة كان يجلس عليها ، فجلس وبيده سبحة . وقام الفقراء ليكملوا حفر الصخرة ، فطلعت الشمس وقد فرغوا منها ، والشيخ قاعد وبيده السّبحة . وجاء خادم من القلعة إليه في شغل ، فرآه نائما ، فما تجاسر أن يوقظه . فجلس ساعة ، فلما طال مجلسه قال لخادم الشيخ : يا عبد الصمد ، ما أستطيع أن أقعد أكثر من هذا . قال عبد الصمد : فتقدمت إليه ، وناديته : سيّدى سيّدى ! فما تكلم . فحركته ، فإذا هو ميت ! فارتفع الصياح .
--> « 1 » جاء في « القاموس » « القرظ - محركة - أديم مقروظ دبغ وكبش قرظى يمنى فإما أن يكون المعنى بفروة من جلد مدبوغ ، أو بفروة كبش